ٱُلِسِبُتٍ , ١َِ٨َِ يَوُلِيُّو
أَيَّتُهَا الْمُخِلصَّةُ، مَا زِلْتُ أَجِدُ فِيكِ مَا لَا أَجِدُهُ فِي الْبَشَرِ؛ لَا تَسْأَلِينَ عَمَّا يُثْقِلُنِي، وَلَا تُطَالِبِينِي بِتَبْرِيرِ صَمْتِي، تَكْفِينِي نَظْرَةٌ إِلَيْكِ لِأُدْرِكَ أَنَّ بَعْضَ الْأُمُورِ لَا يُفْهَمُ إِلَّا بِالصُّمُوتِ
كَمْ مِنْ مَرَّةٍ هَرَبْتُ مِنَ الْجَمِيعِ إِلَيْكِ، وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ كُنْتِ الْمَلَاذَ الَّذِي لَا يَخُونُ، تَحْتَضِنِينَ يَدِي بِدِفْئِكِ، وَتُخْفِينَ تَعَبِي دُونَ أَنْ يَلْحَظَهُ أَحَدٌ
يُقَالُ إِنَّ الْإِدْمَانَ ضَعْفٌ، وَأَنَا أَرَاهُ وَفَاءً لِشَيْءٍ لَمْ يَتَخَلَّ عَنِّي يَوْمًا. فَمَا خَذَلْتِنِي، وَلَا أَغْلَقْتِ بَابَكِ فِي وَجْهِي، بَلْ كُنْتِ تَنْتَظِرِينَ عَوْدَتِي كُلَّ يَوْمٍ بِالصَّبْرِ نَفْسِهِ
يُرْبِكُنِي عِطْرُكِ قَبْلَ طَعْمِكِ، وَيَسْرِقُنِي ذَلِكَ الْبُخَارُ الْمُتَصَاعِدُ مِنْكِ، كَأَنَّهُ يَحْمِلُ مَعَهُ كُلَّ مَا أُخْفِيهِ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ
لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا يَظُنُّونَ أَنَّكِ سَبَبُ تَعَبِي، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ كَيْفَ تَكُونِينَ آخِرَ مَا يَرْمِمُ مَا هَدَمَتْهُ أَيَّامِي، وَأَوَّلَ مَا يُعِيدُ إِلَيَّ شَهِيَّةَ الْحَيَاةِ
إِنْ كَانَ لِلْوَحْدَةِ رَفِيقٌ، فَأَنْتِ رَفِيقَتُهَا، وَإِنْ كَانَ لِلْمُنْهَكِينَ وَطَنٌ، فَأَنْتِ وَطَنُهُمُ الْأَخِيرُ
فَلَا تَغِيبِي عَنِّي طَوِيلًا، فَقَدِ اعْتَدْتُ أَنْ أَبْدَأَ نَهَارِي بِكِ، وَأُنْهِيَ لَيْلِي وَأَنَا أَشْكُرُ الْأَيَّامَ لِأَنَّهَا أَبْقَتْكِ قَرِيبَةً مِنِّي.