يُرَاوِدُني شُعورٌ غَريب،
لا أعرِفُ لهُ اسْمًا ولا مخرجًا
أهوَ نَدمٌ على ما فات؟
أم خُذلانٌ مِمَّن وثقتُ بهم؟
أم كُرهٌ تَكوَّن في أعماقي؟
لا أدري...
لا أعرِفُ لَهُ اسْمًا، ولا أجدُ لَهُ تفسيرًا.
بينَ النَّدمِ والحِقدِ والخُذلانِ والكرهِ أضيع،
كأنِّي أغَرق في بحرٍ من المشاعرِ المتناقضة .
مابينَ حاضرٍ يَشدُّني إليه، ومستقبلٍ يُناديني من بعيد
أقفُ بينهما مُتردّدًا لا أدري أيَّ طريقٍ أختار ولا أيَّ صوتٍ أُصغي إليه خُطايَ مُعلَّقةٌ بين خوفٍ ورجاء وقلبي يُحدّثني أن أمضي ولو ببطء فبعضُ الطرقِ لا تتّضح إلّا لِمَن سار فيها
لكني أخاف…
نعم،
أخاف أن أُخطئ مرّةً أُخرى
أن أعودَ إلى النقطةِ ذاتها
وأكتشف أنّ الطريقَ كان سرابًا .
أراكَ اليومَ غريبًا،
كأنّي لا أعرفك.
كسرتَ قلبي حينما أحببتُك،
وخذلتَ عقلي الذي كان يرتّبُ لقاءَنا
كما يرتّبُ طفلٌ حلمَهُ قبل النوم.
أحقًّا كنتَ شريرًا وأنا لا أعلم؟
أم أنّ الظروفَ
سرقتْ منك وجهكَ الأوّل،
وتركتني أُحادثُ ظلًّا لا يُشبهك؟
كنتُ أراكَ أمانًا،
فكيف صرتَ خوفًا؟
أكنتَ تمثّل،
أم أنّني أنا
مَن بالغتُ في نقاء الصورة
حتى صدّقتُ الوهم؟
لا أعلم...
لكنّي أعلمُ شيئًا واحدًا:
أنّ القلب حين يُكسر
لا يعود كما كان،
حتى لو عادَ صاحبه .
اليومَ أراكِ رفيقةً بعيدةً عن القلب،
قريبةً في الذكرى…
بعيدةً في النبض.
أحبُّ أن أراكِ تُزهِرين،
أن تمتلئَ يداكِ بالضوء،
وخطواتُكِ بالطمأنينة،
لكن… ليس في حديقتي.
فحديقتي تعلّمتُ أن أحرسَها،
أن أُعيدَ ترتيبَ ترابِها،
وأن لا أزرعَ فيها
ما قد يرحلُ يومًا دون وداع.
لا أحملُ لكِ سوءًا،
بل دعاءً صامتًا:
أن تكوني بخير،
حيثما اخترتِ أن تنمُو جذورُكِ.
أما أنا…
فسأتركُ المسافةَ بيننا
ممرًّا للذكرى فقط،
لا طريقًا للعودة.
أحاول، نعم…
أستيقظ وأمضي أُقنِع نفسي بأنّ هذا كافٍ، لكن حتّى محاولاتي
أشعر أنّها محاولةٌ للعيش فقط، لتمضية الأيام بلا سقوط
لا لتحقيق أحلامي التي كانت يومًا تُشبهني أكثر ممّا أُشبهني الآن
أضع قدمًا أمام أُخرى لا لأنّ الطريق واضح بل لأنّ التوقّف يؤلمني أكثر أمشي بثقلٍ لا يُرى، أحلامي هناك… أراها من بعيد،
وأنا هنا، أكتفي بأن أبقى ...
بينَ أملٍ يَذوبُ معَ مرورِ الوقت، وطريقٍ أسيرُ فيهِ ولا أرى لهُ مخرجًا وضياعٍ يمدُّ ظلَّهُ على أيّامي ولا أجدُ لهُ حلًّا…
أقفُ خلفَ ابتسامةٍ زاهية كلُّ من يراها يظنُّ أنَّ الحياةَ بخير
ولا يعلمُ أنَّ خلفها تعبًا صامتًا لا يسمعهُ سواي أحلامٌ ركضتُ نحوها طويلًا أمدُّ يدي إليها بكلِّ ما أملك
ثمَّ اكتشفتُ متأخرًا… أنّي كنتُ ألاحقُ سرابًا
وأمّا عن زهرةِ الشَّبابِ التي يتحدّثُ عنها الكثير
فزَهرةُ شَبابي كانت… بكلِّ ما فيها من لونٍ تذبلُ بصمتٍ
قبلَ أن يراها أحد كبرتُ أسرعَ ممّا ينبغي
وتعلّمتُ أكثرَ ممّا أردت وفهمتُ أشياءَ ما كانَ قلبي مُهيَّأً لفهمِها.
رغم بساطتها… إلا أن بعض الأشياء الصغيرة قادرة على إنقاذ يومي بأكمله.
نسمات الفجر الباردة التي تلامس وجهي بهدوء،
تُشعرني أن الحياة لا زالت بخير…
كأنها تربت على قلبي
ورائحة المطر الأولى…
تغمرني كأنها حضن من الماضي،
تعيد إليّ ذكريات طفولتي…
تلك اللحظات التي كنت أركض فيها تحت المطر بضحكة بريئة،
وابتسامة من شخص عابر في الطريق،
تجعلني أبتسم رغم أن قلبي مثقل،
كأنها تسرّب نورًا خفيفًا إلى داخلي،
أكتب...
لأن الكتابة أصبحت ملجأً لي
أكتب لأُرمم انكساراتي بصمت،
ولأطمئن قلبي في عالمٍ يبدو أحيانًا قاسيًا وباردًا.
الناس تغيّروا، والمواقف تغيّرنا،
لكنّ الكتابة… ما زالت طبطبة ناعمة على جروحي.