1imBan
2 / 6 الثلاثاء .
1imBan
فِي زَوَايَا النَّفْسِ أَسْرَارٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، تَسْكُنُ فِي أَعْمَاقِ القَلْبِ كَأَنَّهَا ظِلَالٌ صَامِتَةٌ لَا تَجِدُ سَبِيلًا إِلَى النُّطْقِ. وَمَا الكِتْمَانُ إِلَّا مَلَاذُ الرُّوحِ حِينَ تَعْجِزُ الكَلِمَاتُ عَنْ حَمْلِ مَا يَثْقُلُ الصَّدْرَ، فَيُصْبِحُ الإِنْسَانُ سَجِينًا لِمَا يُخْفِيهِ، وَرَهِينَ مَا يَكْتُمُهُ مِنْ أَوْجَاعٍ وَذِكْرَيَاتٍ وَأَحْلَامٍ مُنْكَسِرَةٍ.
وَفِي الوَحْدَةِ يَجْلِسُ المَرْءُ أَمَامَ نَفْسِهِ بِلَا أَقْنِعَةٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ يُخَاطِبُهُ سِوَى صَوْتِهِ الدَّاخِلِيِّ. هُنَاكَ تَنْكَشِفُ الحَقَائِقُ الَّتِي أَخْفَاهَا عَنِ النَّاسِ، وَتَظْهَرُ الجِرَاحُ الَّتِي أَتْعَبَهُ إِخْفَاؤُهَا. وَكُلَّمَا طَالَ أَمَدُ الوَحْدَةِ، ازْدَادَ ثِقْلُ الكِتْمَانِ عَلَى القَلْبِ، حَتَّى يَشْعُرَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ عَالَمًا كَامِلًا لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرَاهُ.
وَقَدْ يَخْضَعُ الإِنْسَانُ لِلكِتْمَانِ خُضُوعًا لَا عَنْ ضَعْفٍ، بَلْ عَنْ يَقِينٍ بِأَنَّ بَعْضَ المَشَاعِرِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تُقَالَ، وَأَنَّ بَعْضَ الآلَامِ أَعْمَقُ مِنْ أَنْ يَفْهَمَهَا الآخَرُونَ. فَيَخْتَارُ الصَّمْتَ رَغْمَ ضَجِيجِ مَا فِي دَاخِلِهِ، وَيَبْتَسِمُ وَفِي قَلْبِهِ مَا لَوْ نُطِقَ بِهِ لَاهْتَزَّتْ لَهُ الرُّوحُ قَبْلَ السَّمْعِ.
إِنَّ الوَحْدَةَ وَالكِتْمَانَ لَيْسَا دَائِمًا عُقُوبَةً، فَقَدْ يَكُونَانِ مَدْرَسَةً تُعَلِّمُ الإِنْسَانَ الصَّبْرَ وَالقُوَّةَ وَمُرَاجَعَةَ النَّفْسِ. وَلَكِنَّ الإِفْرَاطَ فِيهِمَا يُتْعِبُ القَلْبَ وَيُثْقِلُ الرُّوحَ، فَتَتَحَوَّلُ الأَسْرَارُ إِلَى أَعْبَاءٍ، وَتُصْبِحُ الوَحْدَةُ صَحْرَاءَ شَاسِعَةً يَتَرَدَّدُ فِيهَا صَدَى الحُزْنِ دُونَ أَنْ يَجِدَ مَنْ يُجِيبُهُ.
وَيَبْقَى الإِنْسَانُ بَيْنَ رَغْبَةِ البَوْحِ وَهَيْبَةِ الكِتْمَانِ، يُجَاهِدُ نَفْسَهُ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى يَأْتِيَ وَقْتٌ يُدْرِكُ فِيهِ أَنَّ بَعْضَ الأَثْقَالِ لَا تُحْمَلُ وَحْدَهَا، وَأَنَّ الرُّوحَ، مَهْمَا اشْتَدَّتْ، تَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى مَنْ يُصْغِي إِلَيْهَا دُونَ حُكْمٍ، وَيَفْهَمُ صَمْتَهَا قَبْلَ كَلَامِهَا.
•
Reply